مراجعة لكتاب قراءة القراءة – فهد الحمود

يركز الكاتب في تسلسل ممتاز على تقديم النصائح حول طرق القراءة كالتحليلية والبحثية والضبط والتحصيل؛ وأنواعها كالسريعة والسطحية؛ وكيفية الاستفادة القصوى منها، وأفضل الأوقات للقراءة والغرض منها وأي الكتب نقرأ حسب الخبرة والهدف والتخصص. كما يقدم نصائح حول كيفية المحافظة على القراءة من حيث المادة والوقت.

من أفضل تجارب القراءة الجماعية بالنسبة لي كانت جلسات أسبوعية أقوم بها رفقة بعض الأصدقاء كنا نتناول فيها مقالات مطولة أو جزء من كتاب يقدمه أحدنا ويكون حول ذلك حلقة نقاش من أسئلة وأجوبة وأراء شخصية حول الموضوع في ظرف ساعتين، وحول هذه الطريقة وغيرها تطرق الكاتب ونصح بجلسات القراءة وشراء الكتب وتجهيز مكتبة في كل بيت لما لذلك من أهمية ومنفعة، وقراءة ما يناسب سنك وعقلك والابتعاد عما لا ينفعك.

من النصائح المهمة التي استخلصتها من الكتاب تلك التي تحث المتخصص بشكل تعليمي بأن يجهز له منهج يمشي عليه في مجال حقله العلمي وأن يستشير أهل الخبرة في ذلك ولا يقرأ بتشتت، فبالتشتت لا أنت تستفيد بشكل ممتاز ولا تحقق هدفك الذي تنشد. ومن النصائح المميزة التي أستخدمها عند شراء كتاب جديد أو الرغبة في قراءة كتاب حول موضوع ما هي الاهتمام بالفهرس والمقدمة وقراءة بضع صفحات من بداية الكتاب أو أهم الأبواب بالنسبة لي لما لها من فائدة تطلعك على فحوى الكتاب باختصار قبل البدء في قراءته.

يجيبك الكاتب على أسئلة كثيرة قد تخطر ببالك فيما يخص منهجيات القراءة والأسلوب الذي قد تكون تتبعه عن غير قصد في قراءتك وهل لذلك فائدة تعود بالنفع عليك أم لا. ويدعم الكاتب تجربته بأقوال العلماء وأصحاب الخبرات من قرّاء وكتّاب ونقّاد في هذا الشأن بكثير من الاقتباسات التي نقلتها لنا الكتب في طريقة عنايتهم بالقراءة والمؤلفات.

أنصح (بقراءة القراءة) للمبتدئ خاصة لما سيقدمه له من فوائد جمة قد تكون غائبة على ذهنك ويختصر أمامك الوقت الكثير من أجل أفضل قراءة ممكنة.

مراجعة لكتاب روح الحضارة الإسلامية – محمد الفاضل بن عاشور

يصف الكاتب رحمه الله مكانة الحضارة الإسلامية بين كل الحضارات منذ القدم، فهو لا يتحدث عن مفهوم الحضارة المادي فقط؛ بل عن المفهوم الروحي والإيماني وما حققته الحضارة الإسلامية من رفعة للإنسان وضبطت علاقته الحسية والعقلية بجوهره وذاته وذويه ومن حوله، وكيف جاءت بالحق وما من شأنه ضبط الشرائع والقوانين لخلق سلوك اجتماعي وتربوي وثقافي ينسجم مع طبيعة النفس البشرية ويحافظ على توازنها ويبعد عنها العوارض من أجل تكوين شخصية ونفسية الفرد المسلم على الشكل الذي نزلت به رسالة الإسلام السماوية.

يسرد في اختصار الأسباب الرئيسية وراء نشأة الحضارة في عواصم الإسلام في دمشق وبغداد والقيروان وقرطبة وسمرقند وينسبها إلى التميز في تكوين الفرد عقلا ونفسا وخلقا وسلوكا في مكة والمجتمع في المدينة، الشيء الذي انعكس ايجابا طيلة قرون على بلاد الإسلام والحضارة الإسلامية بشكل عام. وتطرق أيضا إلى ما حل بهذه الحضارة من تراجع عما كانت عليه من تقدم ورقي وذلك بسبب الضعف الذي حل بالتنشئة الاجتماعية والثقافية اللتان كانتا تستمدان روحهما من عبق الإسلام كرسالة سماوية، فكلما كان البعد عنها كان ذلك سببا فيما نشهده اليوم، وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن أسباب التأخر راجعة إلى خلل في الرسالة السماوية ذاتها، كلا؛ بل كل أسباب ذلك في اختلاط خارجي وخلل في فهم وتطبيق الإنسان لمفاهيم وأسس وقواعد هذه الرسالة الخالدة. أما السبيل لإيقاظ المسلم من هذا التخلف هو بعودة الناس إلى دينهم وإدراك أسراره ومعانيه، ورفع ما بينهم وبينه من غشاوات البدع، وحُجُب العوائد الفاسدة، والخرافات الباطلة.

الكتاب بشكل عام مختصر لعدد من المواضيع الأساسية التي يدور حولها الإنسان، وكتب بشكل خفيف ظريف كما يقولون، وبالإمكان قراءته في بضع ساعات.

مراجعة لكتاب أليس الصبح بقريب – محمد الطاهر بن عاشور

العلم صيد والكتابة قيده .. فاحفظ بها ما نلته بعناء

كتاب نفيس جدا، أبدع في تأليفه العلامة محمد الطاهر بن عاشور. بنفس طويل كما عرف عليه يتحدث فيه عن أطوار التعليم في الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها ومدارسها وأزمانها في كل بقعة وصل إليها الفتح الإسلامي من بلاد فارس حتى الأندلس؛ والأهداف المرجوة والمنشودة لأجل الاعتناء بالتعليم الديني بكامل فروعه وعلوم الألة والغاية على السواء. كما تطرق فضيلته رحمه الله وفصل بالحديث حول مواضيع التعليم الأخرى كالرياضيات والمناظرة والتاريخ، والمشايخ والعلماء في تونس والزيتونة وفروعها بشكل خاص. الكتاب منهجي وتاريخي في آن، وبالإمكان تصنيفه ضمن المراجع التاريخية في هذا الشأن لما فيه من تفصيل تاريخي لحياة ومسيرة مئات العلماء التعليمية بتخصصاتهم والأساليب التي اتبعوها في نشرهم للعلوم. أنصح بقراءته بشدة للمهتمين بالتاريخ وللمعلمين خاصة على مختلف تخصصاتهم ودرجاتهم العلمية.

مراجعة لكتاب في ضيافة كتائب القذافي – أحمد فال بن الدين

يروي الكاتب أحمد فال قصته وزميليه كامل التلوع ولطفي المسعودي عندما قرروا السفر إلى غرب ليبيا، وبالتحديد إلى مدينة الزاوية لتغطية الأحداث الدامية أثناء الثورة الليبية في فبراير 2011 التي غابت مجرياتها عن العالم الخارجي في رحلة شاقة عبر تونس وجبل نفوسة (الجبل الغربي). وفيه يروي الكاتب إصراره السفر إلى ليبيا عندما فاجأ مدير التخطيط الإخباري بقناة الجزيرة -حيث يعمل- محمد داود برغبته في السفر لشح الأخبار من غرب البلاد. بدأت رحلتهم الحقيقية عبر تونس، ووجدوا صعوبة في الدخول إلى ليبيا لقبضة أمن القذافي على المنطقة الغربية فاتخذوا الصحراء سبيلا إلى معبر ذهيبة وبمساعدة الشباب الثائر الخدوم تنقلوا من مدينة إلى أخرى ومن سيارة إلى أخرى ومن مزرعة إلى أخرى حتى وصلوا ميدان الشهداء بالزاوية وبدأت تغطيتهم على وقع الرصاص والقذائف في احدى معارك ثوار الزاوية ضد الكتائب في ميدان الشهداء وكانت له مداخلة مباشرة بالهاتف مع الجزيرة. وبعد تعطل جهاز الإرسال خاصتهم، اضطروا مغادرة الزاوية إلى الزنتان لإيصال آخر أخبار المدينة المحاصرة إلى العالم في رحلة شاقة أخرى. وهم في ضيافة أحد رجال المدينة في مزرعته مستعدين للسفر عندما تحين الفرصة المناسبة انقضت عليهم الكتائب وأخذتهم جميعا إلى المعتقل! ومن هذه النقطة توقف اتصال الفريق بالعالم حتى بدأت العلاقات الدولية عملها، وبمساعدة سجّان عن طريق هاتفه الشخصي اطمأنت عائلاتهم. ومن سجن إلى آخر وتحقيق إلى آخر وبين ترغيب وترهيب وعلاقات رؤساء الدول والمنظمات الحقوقية تمكن أحمد فال من العودة إلى نواكشوط. وخرج الآخرون، فريق الجزيرة والليبيون كل بطريقة مختلفة، منها الشرعية ومنها هربا ومنهم عند تحرير سجن أبو سليم في أغسطس 2011. خلال هذه الرحلة شرح أحمد فال كل تفاصيل مغامراتهم بعناية فائقة وأسلوب كتابي “شنقيطي”، وكيف وجد ليبيا غير تلك التي غادرها مؤخرا. هذا الأسلوب القصصي أضفى جمالا كبيرا للغة الكتاب حتى وجدتني أتنقل به من حجرة إلى أخرى كي لا تفوتني لحظة من مغامرته وكأنني أشاهده على المباشر.

مراجعة لرواية آلام فرتر – يوهان غوته

أبدع الأديب الألماني غوته في وصف الجمال والسعادة والحزن والألم واللحظات وحتى السكنات في هذه الرواية .. غوته فيلسوف وكاتب من طراز قدير قل نظيره فهو لا يكتب فقط بل ينقل إليك المشهد ويترك لك مساحة لتخيله بسبعة أبعاد .. أجاد الزيات في ترجمتها عن الفرنسية المترجمة عن الألمانية لدرجة أنني أحسست أنه كاتبها الأصلي لما كان له عمق الفهم والتفكير بعقل الكاتب، فتسلسل الترجمة وقوة ترابطها بعيدا عن ترجمة النص حرفيا كانا كالموسيقى العذبة كل إيقاع فيها يتميز عن الأخر ولا يطغى عليه .. وفي معرض مقدمته للرواية قال طه حسين: الألفاظ شديدة القصور عن وصف الشعور في اللغة الطبيعية؛ وهذا يدل على تمكن الزيات من مجاله وشهادة له بذلك.

كنت قد نويت الابتعاد عن قراءة الروايات لأسباب شخصية، ولكنني عدلت عن ذلك الآن -بشروط- لما كان لهذه الرواية من فائدة لغوية ودروس مكثفة في العربية والأدب عكس ما كنت أتوقع عندما أرشدني صديق عزيز إليها وألح في ذلك .. سأبحث عن روايات من هذا النوع وسأستمر واستثمر في قراءتها.

ألمي وحزني كبيران على فيرتر وكم تمنيت أن أطال غوته ووصف لنا ما حل بشرلوت وألبير، لا لشيء إلا طمعا في جرعة أخرى من هذا الفن الأدبي الجميل.