مراجعة لكتاب معالم في الطريق – سيد قطب

يخاطب الكاتب الفطرة السليمة في الإنسان بمباشرة وجرأة في الطرح، سيجده المتأثر بالإعلام بأنواعه ومن يستقي معلوماته من حديث المقاهي والشارع أن كثير ما ورد في الكتاب مناقض لكل المعلومات والمفاهيم التي استقاها منهم. كتاب يرتب لك أفكار الوجود الإنساني والشكل القويم الذي يجب أن تكون عليه حياة العبد، وربما يعيد لك صياغة ومفهوم بعضا منها؛ تلك المتعلقة بالاستخلاف في الأرض وما يترتب عليه باعتماده على كثير من المقارنات التي تحدد مكامن ضعف التجارب الإنسانية -أعداء الإنسان كما يصفهم- التي باءت بالفشل على مر العصور عندما ابتعدوا عن المنهج الإلهي الأصيل. يتحدث سيد قطب بصراحة تامة لا لين فيها ولا مداهنة لرغبات وأهواء بشر، فهو يخاطب العقل ويسعى إلى إصلاح الاعوجاج الذي تتعرض له الأمة والعالمين ويرشدهم إلى منهج واحد، ويخاطبهم بقاعدة واحدة ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد وهو إخلاص العبودية لله، وضبط التشريعات بين البشر وحفظ حقوق الجميع على السواء.

” إن هذا الدين إعلان عام لتحرير (الإنسان) في (الأرض) من العبودية للعباد –ومن العبودية لهواه أيضًا وهي من العبودية للعباد- وذلك بإعلان ألوهية الله وحده –سبحانه- وربوبيته للعالمين..! إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر -في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر- في صورة من الصور.. ذلك أن الحكم الذي مردّ الأمر فيه إلى البشر- ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابًا من دون الله. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم، فيقومون منهم مقام الأرباب ويقوم الناس منهم مكان العبيد.. إن معناه تحطيم مملكة البشر- لإقامة مملكة الله في الأرض، أو بالتعبير القرآني الكريم: (وهو الذي في السماءِ إلهٌ وفي الأرضِ إلهٌ). صدق الله العظيم. ”

يتناول مواضيع من صلب الدين ومن فرائضه باتت في يومنا هذا من العيب أن يتحدث فيها الإنسان دون التعرض إلى وابل من الاتهامات والتخوين وكل حسب فهمه ورؤيته -القاصرة- بطبيعة الحال كالجهاد؛ لأنه (ليس في إسلامنا ما نخجل منه، وما نضطر للدفاع عنه كما يقول الكاتب). كما يتحدث عن مكانة المسلم بين العالمين واستغرق كثيرا في الحديث عن الجاهلية منذ القدم حتى زمننا هذا. فالكتاب بشكل عام مهم لمختلف الأعمار، فهو يطرح أسئلة متداولة بشكل يومي في أذهان الكثير ويجيب عليها بعمق كبير في الفهم والاستدلال بالنصوص الشرعية، وأخيرا أتساءل: هل لمثل هذا الكتاب أعدم سيد قطب؟